.:: جريدة طنجة  نيوز News::.
آخر الأخبار

Image

مقهى حنفطة بطنجة...حكاوي عبق التاريخ الجميل بنكهة الموسيقى الأندلسية

مقهى حنفطة بطنجة...حكاوي عبق التاريخ الجميل بنكهة الموسيقى الأندلسية

جريدة طنجة ( "مقهى حنفطة" )
الأحد 09 اكتوبر 2016 - 18:30:45
• فمما لا شك فيه أنه لا يمكن لأحد الحديـث عن طنجيس أو طنجى أو طنجـة، دون التحدث عن تلك الخالدة في عقول كل من زاروا مدينة طنجـة، كل الأجانب الذين زاروا طنجة لا يمكن لهم نسيانها، كل الأجانب الذين ينوون زيارة طنجة، أو يقرؤون عن تاريخ هذه المدينة لا يمكن لهم تجاهلها، كل عشاق طنجة من المغرب، أصبحوا يهوونها من الوهلة الأولى، كيـف لا وهي المقهى التي تسحرك بمجرد أن تضع قدميك فيها، لترى أسماء لامعة في عالم الفن يتمتعون بجمالية المكان.

حنفطة عبق التاريخ:

إنها حنفطة، المقهى التي توزع التاريخ شمالا وجنوبا مند سنة 1937، مكان يحافظ على عبق التاريخ، مكان مازال يحافظ على قيم التواصل والتعارف والمجايلة، مكان يجمع بين النساء والرجال بين الأطفال والشيوخ، مكان مازال يحتفظ بالحشمة والوقار، مكان مازال يحافظ على تاريخه المتنور، وعلى جانبه الثقافي فهناك تناقش السياسة والرياضة والثقافة وهناك يمارس الفن والطرب الأصيل.

كنت اسمع دائما أن أبناء طنجة يتوجهون لمقهى حنفطة المطل على ملعب مرشان، وشوارعها دائمة الحركة، لكن لم يغريني يوما ذلك ولم يدفعني لأجعل من الحنفطة المكان الذي يسحرني ويجعلني أنتقل إليه مسلوب الإرادة، فجعلتني استمتع بكل جزء فيها وابحث عن تاريخها المتنور، خصوصا وأنها لا تنطق عن الهوى فهي تتكلم التاريخ بصمت، إذ شهدت أحداثاً متميزة، فكانت مكانا خصباً للفكر والسياسة، هذه المقهى الممتدة على بساط أخضر جميل تملاه العصافير ، تلك العصافير التي تغرد فوق أشجار مرشان التي فاق عمرها ال 150 سنة، من باب مرشان إلى مدخل قبور الرمان وفي الطريق إلى القصبة، تقع هذه المقهى المقابلة لملعب مرشان لكرة القدم .


مقهى ترسم معالمها البساطة والتواضع، تواضع يمضي بك لمعانقة ذاك النادل الذي يبتسم 24/24 ساعة، لا أدري لماذا، ولكن قيل لي أنه يعشق الابتسامة منذ أن بدا العمل في المقهى، برشلوني أم مدريدي؟ لم يجبني، ولكن اقتفيت أثر عشقه لفريق ريال مدريد، سألته للمرة الثانية فأجابني: انه مدريدي حتى النخاع، قبل أن يضيف أيضا: أحب اتحاد طنجة، وكيف لا- كما نقلت لقرارة نفسي- وأنت في كل مرة تستقبل عظماء الكرة في هذه المقهى.

حنفطة اللقب الذي حملـــه هـذا اللاعـــب الرائــع، كان لاعبا لفريق «الموغريب» بطنجة، كان الجبل الشامخ الذي يقف سدا منيعا أمام هجمات الفرق التي يتم استقبالها بملعب مرشان، فما بين سنة 1932 وسنة 2015، رسم «حنفطة» تاريخ مقهى انتقلت منه إلى يد عبد السلام الحسوني قبل أن تستقر بيد مالكها الحالي، كانت المقهى عبارة عن قفص ضيق وضع بإحدى أركان مرشان، كان الجميع يقصد المقهى طلبا لبعض من الشاي الأخضر الرائع، ناهيك عن تلمس أولى نفحات «السبسي» الذي كان يقدمه المقهى الصغير، لم تكن هناك كراسي ولا أي شئ آخر، سوى «حصيرة» يتمدد فيها كل من كان يقصد المقهى، من كل أطراف طنجة يأتون، يستمتعون، ويكتشفون كل معاني الجمال.

سحر حنفطة :

للمقهى سحر عجيب لا يمكن مقاومته، فيكفي أن يسحر المكان أن تصبح مسلوب القوة في مقاومتها، إنك لا تقرر لكن تجد نفسك في حنفطة فعبق التاريخ بقيمه وأخلاقه يسحرك، لا تجد هناك الكراسي بمئات الدراهم ولا طاولات مصنوعة من الشوك أو اللوح أو غيرها، لن تجد كؤوسا ملونة، لكن تجد طفولتك في بساطتها بساطة تعود بنا إلى طفولتنا في المقهى تجعلك تردد كلمة عمي وخالتي احتراما لأشخاص لا تعرفهم، في المقهى تجد وجهك بدأ يحمر من أثر الحشمة دون أن تفكر في ذلك، في المقهى تحني رأسك احتراما للأخرين وكأن الزمان الجميل يعود بنا، كل شيء في المقهى قد يحيلك على العفوية، لكن كل جزء منها يحيلك أيضا على التاريخ.

إنك في حضرة حنفطة إذن إرفعوا رؤوسكم عاليا، لتروا اللوحات الفنية الموجودة في بهو القهوة... تلك المساحة تستضيف كل أنواع البشـر هنـاك فتايات جئن ليتصفحن الكتاب على نغمات كؤوس الشاي المنعنع بنعناع طنجة وهناك من جاء ليلعب البرشي وهناك من جاء ليستنشق هواء مرشان الجميل فطرحت على نفسي هل هؤلاء اعلنوا هزمهم لمغريات الزمان وجاءوا ليتشبثوا بالتاريخ.

و بدأت أذني تستقبل عزف الألة والحان الأندلسي، والتقطت عيني صورة لإبن صغير لا يتحاوز سن العاشرة مرفوقا بوالده وهو يتغنى ووجدت جانبي امرأة بجلباب ولتام إنه التاريخ المفتقد يا سادة، أجانب لا يعرفون العربية لكن يدندنون على إيقاعات الأندلسي.

رواد يتذكرون :

للوهلة الأولى كنت أعلم أن التاريخ سيروى بلسان أناس كانوا يجلسون في هذا المقهى منذ سنوات، غير أن الصدفة وحدها قادتني لأن اعرف أن المكان يقصده كبار لاعبي «الموغريب» لكرة القدم، كان عمره 86 سنة، قلت له وها أنت تجلس في المقهى اليوم هل تذكرت شيئا من تاريخها، قال لي اجلس واطلب كأس شاي وسوف أحكي لك، تفضلت بالجلوس وبدأ الحارس العملاق لكرة القدم يحكي لي عن كل صغيرة وكبيرة عن هذا المقهى، لم يكن مترددا في قطع كلماته التي تزن تاريخا طويلا من ذكرياته مع مقهى حنفطة، كنت استرق السمع، قبل أن تباغتني رنات لعبة النرد «البارتشي» والتي كانت تملأ المكان .


واصل حديثه إلي وتذكر أناس عشقوا هذه المقهى البسيطة، كانت مقهى في ذلك المكان لا اعرف بالضبط هل تم إنشاءها سنة 1935 أو 1935، قلت له عشر سنوات لا يكفي لصنع مجد هذا المقهى الجميل، أشار بيده، وقال لي لا تنزعج فإن للمقهى تاريخ قد لا أدركه أنا أيضا، طيب لقد مر من هذا المكان أناس من شتى أنحاء العالم، وقبلها كانت قبلة لنادي «الموغريب» لكرة القدم كان اللاعبون يستريحون وينظرون هنا في هذه المقهى، كانت بمثابة الرقعة والسبورة الالكترونية للتدريب.

قاطعه شيخ آخر، حدثه عن تاريخ المقهى أولا، ابتسم وقال لي، سوف أعود بك للوراء، مقهى محمد الحسوني وهو الشخص الذي بني المقهى في مكان آخر بعيد من هنا بمحاذاة الشارع، كان يستقبل العديد من الشبان في ذلك الوقت، قبل أن يمر ممثل السلطان ويأمره بضرورة تغيير المكان واختيار مكان يناسبه، قلت له لماذا، أضاف : كانت وفود وسفراء دول يمرون بالقرب من المقهى، كما كانت نساء وفتيات بدورهن يتعذبن في المرور من قرب المقهى وهذا هو السبب .

المقهى لم تبنى هنا إلا في سنة 1938 وكان هذا هو السبب، تم اختار هذا المكان وكانت تملأه غابة كثيفة كان يقصدها فقط سكان حي مرشان، قبل أن يذاع صيتها لتصل إليها شخصيات من كل مكان، هكذا كانت بداية انطلاق مقهى حنفطة والتي ما تزال شاهدة على هذا التلاحم، تلاحم قوي يرى في كل أركان المقهى إلى اليوم .

وعن أسرار المقهى يقول شيخ آخر صادفته وجلست معه أتذكر شذرات من تاريخ حنفطة، أكد لي أن سيدة يعتقد أنها أميرة زارت في عهد السلطان محمد الخامس هذا المكان والتقيت بشخصية مهمة، جاءت إلى هنا وجلست في هذا المكان احتست كأسا من الشاي المعد لها ب «الزيزوة» قبل أن تغادر رفقة الشخصية التي كانت برفقتها، كما زارها العديد من الشخصيات الهامة والذين كانوا يتوافدون على المنطقة وعلى مقهى الحافة أيضا .

لمسة المقهى تكمن في «أتاي زيزوة» وفي ما تقدمه كل يوم من هواء نقي وأجواء عائلية رائعة، كما أن اللمسة التي أضيفت لهذه المقهى تكمن في تلك الشذرات الموسيقية الأندلسية المقدمة كل يوم جمعة وخميس، سألت رواد المقهى عن السبب، فقيل لي أنها أتت بالصدفة ولكن لازم «تعرف أن ناس طنجة مولعين بالموسيقى الأندلسية وكيف لا وبيت مولاي احمد لوكيلي قريب من هذا المقهى إلى جانب المبدع والمفكر عبد الله كنون.

الحاج أحمد، واحد من رواد المقهى منذ سنة 1970، يحكي بدوره أن المقهى لم تكن مجرد مكان مفتوح على الشارع أو الزقاق، بل هي في واقعها صورة من صور التواصل بين أفراد المجتمع، وهي الصورة الباقية حتى اليوم رغم كل المتغيرات التي طرأت على شكل ومضمون المقهى.. فهناك بون شاسع بين قهوة الأمس ومقهى اليوم.. لكن تظل بعض الثوابت هي العامل المشترك الذي كفل للمقاهي هذا العمر المديد لتلعب دورها في حياة ناس طنجة.

تاريخ يستمر :

إذا كان الكلام هو سيّد الموقف على كراسي القهوة وطاولاتها فإن هناك أيضًا أحداث كثيرة تفرض وجودها على الجالسين بعضها يثير الضحك والآخر يبعث على الاستغراب وثالث يحرك مشاعر الحزن والآسي.. فكل المتناقضات حاضرة في المقهى ولك أن تتوقع ما شئت من الأحداث.. فالمقهى مكان شعبي عام وليس قاعة مغلقة في قصر مشيد.

ولأن دوام الحال من المحال.. لا تتعجب عندما تذهب حاليا إلى المقهى فتجده، على الرغم من شهرته الواسعة، قابعا في أحد الأزقة الجميلة التي تكسوه أشجار رائعة متاخمة لمسجد بمنطقة مرشان، في قلب حي مرشان،وبمجرد دخولك إليه ستشعر أنك تكاد تشم عبق التاريخ في ربوعه، فلون خشبه البني المحروق وحوائطه الحمراء والصفراء الداكنة بفعل وآثار الزمان، جعلت منه مزارا لعشاق الأصالة والتراث، ووجوده في منطقة مرشان التي تطل بك نحو أفق أوروبا، جعل رواده مزيجا غريبا بين الطنجاويين والسياح العرب والأجانب من كل الجنسيات الذين يبهرهم جو المقهى المغربي الخالص.

يتبع




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.lejournaldetangernews.com/news4489.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أنشاء ملف pdf لهذا الخبر أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. <br /> وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.